أحدث الأخبار

كريمة.. و”سليمة”!

بقلم : داليا إلياس

# يدبجون بها كروت الأفراح ورقاع الدعوة، ويتداولونها كتعريف اجتماعي قديم، فلانة (كريمة) فلان، أي ابنته، بعضه يمشي على الأرض، امتداده الإنساني. ودرجت المفاهيم لدينا من واقع التجارب على أن كل فتاة بأبيها معجبة، وأن البنت أكثر قرباً من والدها وأشد حنواً عليه، وأن علاقةً روحيةً خاصة تربط بين الاثنين، قوامها إحساسها المطلق بالأمان، وإحساسه الغامر بالعطف والمسؤولية.

والمتأمل في تفاصيل أي علاقة سوية بين أب وابنته سواء نمت تلك العلاقة في ظروف طبيعيه أو تعرضت لانحراف ما عن مسارها -بسبب أقدار وعوامل خارجية لا يجب أن يكون لها أدنى تأثير على الأبعاد العاطفية والإنسانية للعلاقة – يرى أن لزاماً على هذا الأب باعتباره العائل والقوام والصدر الحنون والعقل الحكيم أن يحرص بالغ الحرص على أن تظل ابنته (كريمة) معنىً ومبنىً، وتلك الكرامة لا تتبدى بالضرورة في حمايتها من المخاطر أو توفير مستلزماتها وحاجاتها أو تزويجها بفخامة أو التصدي لزوجها حالما أساء إليها أو.. أو.. فحسب.

ولكنها تبدأ بحمايتها من التقاليد الاجتماعية العقيمة، والممارسات الضارة، والآلام المهلكة، والتشويه الجائر، والتعدي السافر على إنسانيتها وإحساسها، والنيل من أنوثتها وتمام خلقها.

كل هذا ببساطة يتمثل في (محاربة ختان الإناث)، الذي خصص السادس من فبراير المنصرم كيوم عالمي لمكافحته.

# وأحسب أن (المجلس القومي لرعاية الأمومة والطفولة) يقدم لنا نموذجاً رائعاً في المثابرة وتوظيف كافة الأدوات في سبيل إنفاذ أهدافه، لاسيما الحملة الإعلامية الأنيقة والمؤثرة التي يبتكر أفكارها الحميمة لإيصال رسالته النبيلة المختزلة في عبارة صغيرة: (كل بنت تولد سليمة.. دعوا كل بنت تنمو سليمة)، هكذا ببساطة، ولكم أن تتأملوا ما وراء العبارة.

لقد آثرت اليوم أن أوجه خطابي للآباء، ربما لخصوصية العلاقة بين كل أب وبنته بحسب رأيي الشخصي، ولأن الأمهات للأسف قابلات للتأثير أو الرضوخ لضغوطات الأجيال السابقة لاسيما (الحبوبات) ولو على مضض، رغم أن أي سيدة حالما تأملت واقعها الأنثوي واستعرضت رحلتها المؤلمة مع الختان ستجد نفسها مصرة على التصدي له ومحاربته بمختلف الأساليب، ولكن الاعتقادات المغلوطة والغريبة التي اكتسبناها من بيئتنا التربوية السلبية تتسبب لنا في صراع داخلي محموم، وأحسب أن جميع الرجال بيدهم الحلول الناجعة لتلك المشكلة، كيف لا ونساء مجتمعاتنا يعتقدن جازمات أن الختان يحمي من العار، ويرضي الأزواج، ويحقق للبنت هدفاً نبيلاً عبر إمتاع الزوج ونيل استحسانه بغض النظر عما تشعر به أو يترسب لديها تجاهه وتجاه علاقتها به!!

# آثرت ألا أتحدث بلغة الوقائع والإحصاءات التي وصلتني من المجلس القومي لرعاية الأمومة والطفولة، واكتفيت من كل الأرقام المخيفة بتلك الإشارة الإيجابية التي تقول إن معدلات الختان في السودان متراجعة، وإن الوعي بمخاطره وضرورة محاربته في تزايد مضطرد، سوى أنني أرجع البصر كرتين لأخرج بالأمر إلى الأصقاع النائية بعيداً عن العاصمة، حيث التردي المريع في الصحة والتعليم والوعي، إذ لا يمكنني أن أبتهج فقط لأن نساء مجتمع الخرطوم قررن التوقف والإقلاع عن ختان بناتهن، أو أن رجال العاصمة قرروا التصدي لتلك العادة الضارة واستخدام سلطاتهم الزوجية و(الوالدية) والذكورية من أجل توفير الكرامة لبناتهم وأخواتهم وحتى زوجاتهم بما يقيهن شر آلام الطمث والأزمات النفسية ومعاناة الزواج والحرمان من المتعة الفطرية ثم مكابدة المخاض واحتمالات فقدان حيواتهن أثناءه!

إن الأمر يستحق تضافر الجهود والمزيد من الالتفات لتلك القضية التي لا يمكن اعتبارها على الإطلاق هامشية، وكلنا يجب أن نجند أنفسنا للانخراط في حملات التوعية بغض النظر عن الجهود الحكومية والدولية وحتى الخاصة المبذولة لذلك، إن (كرامتنا) لا تنفصل عن (سلامتنا).

اترك رد