أحدث الأخبار

الخرطوم وواشنطن.. كيف يمكن أن ينجو التقارب من براثن اللوبيات؟

كرتي كلينتون1

اهتمام أمريكي كبير بما يجري في السودان، ولقاءات عدّة لفتح مسارات جديدة في العلاقات السودانية الأمريكية، اتفق خبراء ومحللون سياسيون على أنها تمثل خطوات في وضع إستراتيجية واضحة لخدمة علاقات الخرطوم وواشنطن، تبدأ بالتحرك العملي المحسوس، مروراً بتحييد المنظمات الأمريكية لمساعدة حكومة أوباما لاتخاذ القرار الإيجابي لتطبيع العلاقات بين البلدين، ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟ وما هي السيناريوهات المحتملة؟ وما العقبات؟ “الخرطوم الجديدة” في هذا الملف تعالج موضوع العلاقات بين الخرطوم وواشنطن.

 تقرير : الخرطوم الجديدة

في بيان مقتضب لم يتجاوز 50 كلمة، وصفت واشنطن زيارة غندور إلى أراضيها، بشكل فهم منه أن الإدارة الأمريكية لا تريد للزيارة أن تفسد بفعل تدخل مجموعات الضغط الأمريكية، فحجبت عن قصد أخبار زيارة مساعد الرئيس السوداني قبل ساعات من وصوله، في ذات الوقت قابلت الخرطوم الخطوة بمثلها وهي لا تغرق في تفاصيل الزيارة، وكأن الطرفين يخشيان من عين الحسد وتدخلات لوبيات الضغط الأمريكية لتعكير صفو العلاقات بين البلدين بعد أن بدأت في أخذ مسار جديد.

رفع الحظر

وقبل أن يستقر غندور في الخرطوم، رفعت الولايات المتحدة حظرها الاقتصادي عن السودان جزئياً، وأعلن المبعوث الأمريكي دونالد بوث، أن بلاده قررت السماح للسودان باستيراد الهواتف الذكية وأجهزة الكومبيوتر وبرامجها وجميع البرامج المرتبطة بتقنية الاتصالات. وقال في تصريحات صحفية إن السماح بتصدير تكنولوجيا الاتصالات الشخصية إلى السودان سيعزز حرية التعبير في ذلك البلد، ويساعد السودانيين على التواصل في ما بينهم ومع العالم أجمع، وهو ما دفع مراقبين لربط القرار بالحراك الدبلوماسي السوداني وزيارة وزير الخارجية كرتي ومساعد الرئيس غندور إلى واشنطن رغم محاولات تعكير الزيارة من قبل مجموعات ضغط أمريكية، ويرى العديد من المتابعين للملف السوداني أن هناك توجهاً سياسياً أميركياً جديداً بخصوص التعامل مع الخرطوم، وأن هذا التغير ليس وليد اللحظة، وهو مرتبط أيما ارتباط بالمتغيرات التي تشهدها المنطقة، وبالرؤية الأمريكية تجاه المتبنين للإسلام السياسي كمنهج على غرار نظام البشير في المنطقة.

إستراتيجية واضحة

وفي السياق اتفق خبراء سودانيون في الشأن الأمريكي، على أهمية وضع إستراتيجية واضحة لخدمة علاقات الخرطوم وواشنطن، تبدأ بالتحرك العلمي المحسوس، مروراً بتحييد المنظمات الأمريكية، لمساعدة حكومة أوباما لاتخاذ القرار الإيجابي بشأن تطبيع علاقات البلدين، وكشف الخبير في العلاقات السودانية الأمريكية، أ.د بكري عثمان سعيد، عن لقاءات سودانية تمت مع منظمات أمريكية من قبل، طالبت فيها الأخيرة بأهمية التعاون المشترك لمصلحة العلاقات. وأضاف: “إن لوبيات الضغط أوجدت تياراً كبيراً معادياً للسودان في أمريكا، وهذا الواقع يحتاج إلى جهد لتفكيكه، إذا تحدث الناس حالياً عن قضايا التطبيع، لأننا لم نكن في الماضي نأبه لما يدور في أمريكا بصورة كافية”.

وفي السياق، أكد مدير مركز السودان للدراسات الإستراتيجية، د. خالد حسين، وجود اهتمام أمريكي كبير وواضح، بما يجري في السودان. وقال: “أمريكا لم يكن لديها مانع في التعامل مع الإنقاذ، بالرغم من بدايتها كنظام عسكري، وأوباما كان في الاتجاه الإيجابي للسودان، في وقت كانت تسير فيه اتجاهات وزارة الخارجية، عكس سياسات البيت الأبيض”. وأوضح حسين أن هناك “لوبيات” داخل الكونغرس، حاولت أن تُفشل زيارة وزير الخارجية علي كرتي، ومساعد الرئيس إبراهيم غندور إلى أمريكا، ولكنها لم تنجح. وأكّد وجود ظروف موضوعية، تحكم علاقات واشنطون في علاقاتها كافة مع المجتمع الدولي، وأبان أن أمريكا، تواجه خيبة أمل كبيرة بفصلها لجنوب السودان وأنها ضُللت بمعلومات خاطئة.

ما الجديد؟

قادت زيارة قام بها إبراهيم غندور، مساعد الرئيس، إلى الولايات المتحدة، لبروز تساؤلات بشأن أسبابها في ظل توتر وعدم ثقة بين الجانبين منذ أكثر من عقدين، ورغم تأكيد الخرطوم على وجود مؤشرات لنجاح الزيارة في فتح بعض المنافذ المؤدية إلى مركز القرار الأمريكي، فإن تبايناً ساد بين المحللين بشأن تلك المؤشرات التي اعتبرها بعضهم غير واقعية. وكانت مسؤولة العلاقات الخارجية في المؤتمر الوطني، أميرة الفاضل، قد أكدت وجود مؤشرات واضحة على نجاح الزيارة، منها “الدعوة الرسمية التي قدمت لمساعد الرئيس، واللقاءات المهمة التي أجراها في واشنطن ونيويورك”. وأشارت إلى أن العلاقات مع أمريكا لم تنقطع ولكنها مرت بمراحل فتور، وشهدت في الآونة الأخيرة مؤشرات إيجابية يمكن أن تسهم في تطوير الحوار بين البلدين وتطوير العلاقات، واعتبرت في حديثها للصحفيين أن الحكم بحدوث تقدم حقيقي في العلاقات بين البلدين “يكون بعد استجابة واشنطن لمطالب السودان العادلة والموضوعية، برفع الحظر الاقتصادي أحادي الجانب المفروض عليه، ورفع اسمه من اللائحة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب”. ويقول الكاتب الصحفي د.ياسر الحسين، إن هناك حالة من النشوة الحكومية في الخرطوم بزيارة مسؤولَين كبيرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية (مساعد الرئيس البشير ووزير الخارجية) في إطار وصفته وزارة الخارجية السودانية بأنه “حلقة من حلقات الحوار” ويشير الحسن إلى أن واشنطن تتعامل مع الأمر ببرود. ويضيف الحسين أن علاقات السودان بأمريكا لا تزال تراوح مكانها، وأن مبعوثي واشنطن يزورون الخرطوم ويجتمعون بالمسؤولين السودانيين ثم يعودون إلى بلادهم دون تحقيق أي تقدم حقيقي، خاصة في ما يتعلق بالقضايا الأساسية. لذلك كله نجد من الصعوبة بمكان اعتبار الحديث عن الحوار بين البلدين فيه جديد باعتبار أن الحوار ظل مستمراً في أحلك الظروف وعبر وسائل مختلفة وطرق متعددة، ويقول الحسين: “ليس من السهل أن تتخلى واشنطن عن سعيها لمنع نظام يوصم بتبني ما تعتبره إسلاماً سياسياً في الخرطوم من أن يتمكن ويؤسس اتفاقات إستراتيجية مع الصين أو غيرها، فذلك يمثل خطراً عليها بامتلاك سلع إستراتيجية في الساحة الدولية. كذلك فإن السودان في قلب الإستراتيجية الصهيونية التي ترى أن استقرار السودان واستغلاله موارده بمعزل عن واشنطن يتنافى مع أمن إسرائيل”.

وبين هذا وذاك، اختار وزير الخارجية علي كرتي عباراته بدبلوماسية وهو يدعو إلى عدم رفع سقف التوقعات أكثر مما ينبغي، ويقول: “كلمة تطبيع هذه هدف بعيد ونحن نحتاج إلى تصفية بعض الموضوعات العالقة وإيضاحها وبيانها وهذا لا يتم إلا عبر الحوار”. وأضاف: “زيارة مساعد الرئيس تعد تعبيراً عن موقف الإدارة الأمريكية لمواصلة الحوار مع الحكومة السودانية”.

آفاق أرحب

وفي المقابل، تباينت رؤى المتابعين السياسيين بين من يرى إمكانية حدوث انفراج في علاقة الدولتين، ومن يعتقد بوجود تراكمات وملفات ما زالت عالقة تمنع أيتطبيع بين الخرطوم وواشنطن، ويعتقد مدير مركز دراسات السلام والتنمية في جامعة بحري، فائز عمر جامع، أن مساعد الرئيس السوداني “هو أول مسؤول سوداني رفيع يزور واشنطن لتقديم بيانات ومواقف تكتسب أهميتها من طبيعة الرجل كصانع للأحداث”. وأكد في حديث أن دعوة الولايات المتحدة الأمريكية لغندور تشي بوجود حاجة إلى هذا الأمر “مما يعطي دلالات على وجود تغييرات في مكان ما بإدارة باراك أوباما”. وربط بين زيارة غندور إلى أمريكا وزيارة حسبو محمد، نائب الرئيس، إلى أوغندا التي قال إنها قريبة من المظلة الأمريكية في أفريقيا، مؤكداً وجود علاقة بين هاتين الزيارتين تنبئ بنشوء مرحلة جديدة من العلاقات السودانية الأمريكية والأوغندية. وذهب في الاتجاه نفسه السفير المتقاعد الرشيد أبو شامة، فافترض وجود متغير وتوجهات جديدة في الموقف الأمريكي تجاه السودان “كنتاج لمناخ الإحباط الذي أصاب واشنطن من فشل الدولة التي رعتها في جنوب السودان”. بينما يرى الصحفي خالد عبد العزيز أن أمريكا والغرب تغيرت رؤيتهما بشكل جزئي تجاه السودان ليس بسبب تحولات داخل البيت السوداني أو لتحقيق الحكومة لشروط واشنطن وإنما شواغل واشنطن الأمنية، وبذا تحول تكنيك السياسة الأمريكية تجاه الخرطوم من سياسة العزلة إلى الارتباط والاحتواء، ولكن هذا مجرد تغيير في التكتيك لإنفاذ الإستراتيجية الأمريكية في السودان. ويضيف عبد العزيز أنه وفي هذا السياق يمكن قراءة زيارات مساعد رئيس الجمهورية ووزير الخارجية إلى واشنطن ورفع الحظر جزئياً عن أجهزة الاتصال ومن قبل على المعدات والآليات الزراعية وكذلك الرسائل الناعمة من الرئيس الأوغندي بالتلويح بطرد المعارضة المسلحة السودانية الموجودة في كمبالا وزيارات الرئيس عمر البشير لبعض دول الخليج والقاهرة بعد طول فتور.

كيف تفكر واشنطن؟

يرى مراقبون أن أولويات أمريكا في السودان حل مشكلة دارفور، واستكمال نيفاشا، ومحاربة الإرهاب، والنفط، وإن كان استكمال نيفاشا يعني ضمنياً حل مشكلتي النيل الأزرق وجنوب كردفان وتعزيز عملية التحول الديمقراطي، وهو ما رأت بعض مواقع صنع القرار الأمريكية أنه يمكن حله بجانب أزمة دارفور في سياق تسوية شاملة بين المعارضين والحكومة، ويقول مدير برنامج دولتي السودان في معهد السلام الأمريكي، جون تيمن: “ينظر للسودان في كثير من الأحيان بالنظر إلى علاقاته مع جنوب السودان وليس كدولة مضطربة في حد ذاتها بشكل عميق وفي حاجة لإصلاح شامل”، ويضيف تيمن أنه وفي ظل اتساع موجة العنف بين الأطراف السودانية فإن التعامل الدبلوماسي يتعامل بإستراتيجيات قصيرة لوقف العنف دون أن يعطي وقتاً لحلول طويلة الأجل لمعالجة الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار. ويلفت تيمن في مقال نشرته (فورن بوليسي) إلى أن العائق الرئيسي لدفع الحكومة للإصلاح هو انقسام المعارضة بين ثلاث فصائل (الأحزاب السياسية، الحركات المسلحة، المجموعات الشبابية التي تنشط إلكترونياً)، وينبه تيمن إلى أن المعارضة تركز على إسقاط النظام إلا أنها لا تشير إلى خططها لتصحيح المسار، ويزيد تيمن أنهم يركزون على أن الأوضاع الحالية هي الأسوأ فلماذا لا نجرب الجديد، ويقول تيمن إن الأوضاع يمكن أن تسوء أكثر، لافتاً إلى أن الحكومة نجحت في تضخيم الشكوك حول المعارضة، وفي جعل نفسها حارسة للاستقرار، بينما يرى الخبير الإستراتيجي د. الطيب حاج عطية، أن وضع إستراتيجية أمريكية تجاه السودان أمر بالغ التعقيد لاعتبارات تتعلق بالسودان ومصالح أمريكا فيه، ويشرح عطية حديثه ويقول إن السودان يقع ضمن ما يزيد عن عشرة ملفات أمريكية كالشرق الأوسط، أفريقيا جنوب الصحراء، الإرهاب، هذا فضلاً عن النقاط الساخنة: النفط، العلاقات مع الصين، العلاقات مع ليبيا ما بعد الثورة، الربيع العربي، مناطق النزاع الساخنة، ممر السلاح والمخدرات وغسيل الأموال. ويشير عطية إلى أن دائرة اهتمام الأمريكان بالسودان أعمق وأعقد وأخطر مما نعتقد، وهو أمر يجعل الأمريكان أنفسهم في حيرة من أمرهم لتحديد مداخل إستراتيجيتهم وأولوياتها تجاه السودان، ويضيف عطية أن المصالح الأمريكية هي التي تحكم ترتيب تلك الإستراتيجيات والأجندة ولكنه ينبه إلى أن هذه المصالح مبهمة ومعقدة، وهو ما يتسبب في إرباك الحكومة السودانية التي قد تكون في حال متابعة ومباحثات مع الخارجية الأمريكية بينما يكون القرار الفعلي في يد واحدة من الشركات الضخمة ذات التأثير أو جماعة ضغط. هذه التعقيدات تدفع واشنطن للنظر إلى السودان بأكثر من عين وبشكل يفوق القنوات الرسمية الحالية، وهنا لابد من الإشارة إلى أن السفارة الأمريكية في الخرطوم تعد من أكبر السفارات في القارة وهو ما يعكس الاهتمام الأمريكي بالسودان بشكل يفوق شكل العلاقات الحالية، بينما يقول المحلل السياسي د. عبد الوهاب الأفندي “من المؤكد أن أي تقارب بين واشنطن والخرطوم لن يحدث ما لم يتم التعامل بجدية مع قضايا السلم والحوار في السودان، لأن التحرك الأمريكي تجاه السودان يستند أساساً على شهادة أمبيكي بجدية النظام في الحوار”، في ذات الوقت يلفت الصحفي خالد عبد العزيز إلى أن تجربة الخرطوم السابقة في التعاون مع أمريكا في مكافحة الإرهاب لم تؤتِ أكلها، ويضيف عبد العزيز أن واشنطن من الصعب عليها تجاوز مجموعات الضغط الداخلية التي تنشط في الملف السوداني، ولذا يصير من الصعب حدوث انتقال سياسي ودبلوماسي كبير في العلاقة بين البلدين دون إيقاف النزاعات الداخلية في السودان وحدوث نوع من الانفراج السياسي وتوسيع المشاركة في السلطة وإدماج حاملي السلاح وبعض قوى المعارضة في الحكم.

اترك رد