أحدث الأخبار

كيف تجاوزت الحكومة المقاطعة الأمريكية في بناء سد مروي؟

1425887302os0903201511-الستوم-للطاقة

 ما هو موقف سد مروي إثر بيع “ألستوم” لـ”جنرال إلكتريك” الأمريكية؟

تحقيق : ندى محمد أحمد

في نهاية أبريل من العام 2014 نقلت مواقع إلكترونية عن صحيفة فيغارو الفرنسية قبول مجلس إدارة ألستوم الفرنسية عرض الاستحواذ على فرع الشركة الخاص بالطاقة من قبل شركة جنرال إلكتريك الأمريكية، لتتفرغ ألستوم لقطاع القطارات، وفي ديسمبر من العام نفسه اكتملت الصفقة وفقاً لصحيفة (الوطن) الخليجية حيث اشترت جنرال إلكتريك 70% من شركة ألستوم للطاقة الفرنسية حيث وافق المساهمون في ألستوم على بيع سبعين في المائة من نشاطات المجموعة العملاقة للطاقة إلى الأمريكية جنرال إلكتريك مقابل 12.35 مليار يورو، ويفترض وفق الخبر أن توافق السلطات الناظمة في حوالي عشرين بلداً على عملية شطر الشركة هذه قبل إقرارها نهائياً في النصف الثاني من 2015.

وبيت القصيد في هذا التحقيق هو شركة ألستوم التي تربطها علاقة قوية بسد مروي تتمثل في أن ألستوم حازت وفقاً للموقع الحكومي على عقد تتجاوز قيمته 250 مليون يورو لتزويد وجلب المعدات الميكانيكية والإلكترونية اللازمة لمشروع سد مروي الواقع على نهر النيل، وبالتالي فهي التي أمدت المشروع بعشر توربينات كهربائية ومولدات حمولة 125 ميقاواط تعادل الإنشاء، ونظام المتابعة والهندسة، وعليه فهي المسؤولة عن توفير قطع الغيار والصيانة ذات الصلة بالأعمال التي نفذتها, ولما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تفرض عقوبات اقتصادية على البلاد منذ تسعينيات القرن الفائت، بحيث تمنع الشركات والمؤسسات المالية من التعامل مع السودان، ليس على المستوى الأمريكي فحسب بل على المستوى الأوروبي أيضاً، وقد تعرض بنك (بي إن بي باريبا) الفرنسي في يونيو من العام 2014 لعقوبات أمريكية جراء تعامله مع عدد من الدول من بينها السودان بتهمة انتهاك العقوبات الموقعة على تلك الدول، لذا فإن الأسئلة تدور عن كيفية تعامل الحكومة السودانية مع هذا الوضع الجديد، وهل ستفسخ العقد مع ألستوم التي غدت أمريكية أم ماذا؟ وكيف تجاوزت الحكومة المقاطعة الأمريكية لدى بناء السد؟ وهل يشتمل السد على معدات وآليات أمريكية؟

حالة حرج

تبدو تلك الأسئلة ملحة خاصة وأن هناك تجربة محرجة تعرضت لها البلاد في أبريل 2012 عندما استقال وزير الصناعة عبد الوهاب عثمان غداة افتتاح مصنع النيل الأبيض جراء تأجيل الافتتاح الذي كان مقرراً اليوم التالي للاستقالة وبرر الوزير استقالته في بيان جاء فيه أنها لدواعي الحرج الذي تسبب به للدولة والشعب بسبب تأجيل افتتاح المصنع لعدم توافر برنامج تشغيله بسبب المقاطعة الأمريكية, حيث كانت الشركة الأسترالية التي تعاقدت معها الحكومة لتنفيذ المصنع لا تملك البرنامج التشغيلي الذي كان بحوزة شركة أمريكية وامتنعت عن تقديمه بسبب العقوبات والمقاطعة الأمريكية المفروضة على البلاد, وقد كان من المقرر أن تشهد الافتتاح 56 دولة إسلامية موجودة في السودان آنذاك على هامش اجتماعات البنك الإسلامي للتنمية بجدة الذي صرف 63 مليون دولار في تكلفة إنشاء المصنع الذي بلغت تكلفته ما يزيد عن مليار دولار.

سد مروي

يقع سد مروي في بلدة مروي بالولاية الشمالية، على بعد 350 كلم شمال الخرطوم، وأقيم السد على نهر النيل بالقرب من الشلال الرابع، والاسم الرسمي هو مشروع مروي المائي متعدد الأغراض، ويهدف في الأساس لتوليد الطاقة الكهرومائية, بدأ العمل في سد مروي عام 2003 وبدأ العمل بأول توربينتين في 2009 وانتهت أعمال السد في 2010.

ألستوم

نقلاً عن موقع سد مروي الحكومي فإن ألستوم شركة فرنسية رابحة ذات حضور عالمي واسع، وتتمتع الشركة بكفاءة شاملة إذ تمتلك أوسع مجال لأنظمة توليد الطاقة، معدات وخدمات القطاع الصناعي وينعم عملاؤها بأعلى درجة من الخيارات بالإضافة إلى أكثر التقنيات المتقدمة اقتصادياً وملائمة للبيئة.

ولألستوم خبرة واسعة في مجال تصميم وتصنيع وتجهيزات وخدمات معدات توليد الطاقة، إذ تمد العالم بأكثر من 20% من طاقته الإنتاجية.

مهام الشركات المنفذة للسد

وعلى وجه الدقة فإن مسؤوليات ألستوم وفق مدير إدارة الإعلام بوزارة الكهرباء تتمثل في الأعمال الإلكتروميكانيكية وهي التوربينات وفيها جزء ميكانيكي وجانب كهربائي وكل العمل المتعلق بمحطة الكهرباء، والشركة الألمانية لاميير هي الاستشاري أي المشرفة على بناء السد، أما الشركات الصينية فمسؤوليتها بناء جسم السد وخطوط نقل الكهرباء من السد إلى الخرطوم وبورتسودان ودنقلا، وأكد على أن معدات التوربينات بمحطة الكهرباء صناعة فرنسية، أما الجزء المتعلق بجسم السد فالآليات التي تم استخدامها في البناء صينية.

لا وجود لآليات أمريكية

كيف تجاوزت الحكومة المقاطعة الأمريكية في بناء سد مروي؟

كان هذا هو المدخل للحديث مع مدير الإدارة العامة للمعلومات والتدريب والإعلام بوزارة الموارد المائية والكهرباء محمد عبد الرحمن جاويش الذي نفى وجود أي معدات أمريكية بسد مروي، بقوله: “سد مروي لا توجد به أي معدات أمريكية، ولحسن الحظ فإن المقاطعة الأمريكية لم تحدث عند بداية العمل بالسد، بمعنى أن المقاطعة لو بدأت بعد أعمال بناء السد لكان من الممكن أن تكون هناك شركات أمريكية عاملة في السد، لكن التنفيذ في السد بدأ في 2003 ومعلوم أن المقاطعة الأمريكية كانت عام 1997، كما أن الشركات الأمريكية لم تشارك في بناء السد، لذا لم يتأثر السد بالمقاطعة. وقياساً بمسألة البترول فقد بدأ العمل فيه من خلال شركة تلسمان الكندية ولاحقاً انسحبت من العمل في السودان، حيث إن المقاطعة للسودان كانت قد بدأت لاحقاً أي بعد بدء العمل في البترول، أما السد فإن العمل فيه بدأ وقرارات المقاطعة سارية فالشركات التي نفذت السد أو التي تقدمت بعطاءات لم يكن بينها شركات أمريكية، بل شركات صينية وفرنسية، فبناء جسم السد وهو ما يعرف بالأعمال المدنية نفذته شركة صينية (كونسورتيوم صيني)، وكذلك الشركة التي نفذت خطوط النقل هي أيضاً شركة صينية، أما الأعمال الإلكتروميكانيكية وتشمل التوربينات فنفذتها شركة ألستوم الفرنسية”.

وبالإشارة إلى أن السؤال لا يتعلق بشركات أمريكية نفذت السد إنما بالآليات والمعدات اللازمة لتنفيذ السد، قال جاويش: “نحن لم نتعاون مع شركات إنما تعاونا مع مقاول فرنسي”، ونفى أن تكون الحكومة قد تجاوزت المقاطعة الأمريكية بوساطة الشركات الأوروبية التي تولت جلب المعدات الأمريكية ولفت إلى أنه ليس بالضرورة أن توجد بالسد مكونات أمريكية.

ولما كانت مدينة مروي الطبية لا تقارن بسد مروي فإنها لم تستطع تجاوز الحاجة للمعدات والأجهزة الطبية الأمريكية, فكل معدات المستشفى من البوابة إلى أدق وأكبر الأجهزة الطبية صناعة أمريكية وألمانية وفقاً للمدير العام للمستشفى، محمد إبراهيم عبد الرحمن، الذي أخبرنا بذلك في حوار صحفي سابق، بأنهم تجاوزوا مسألة المقاطعة من خلال شركات وسيطة هي التي جلبت المعدات الأمريكية، فإذا كان بناء مستشفى يحتاج لمعدات أمريكية فما بالك ببناء سد كسد مروي! وفي رده على هذه الاستفسار قال جاويش: “نحن تعاملنا مع شركة فرنسية, (والحاجات دي أتت بها شركة فرنسية) ونحن تسلمنا المعدات من الشركة الفرنسية بضمانة الشركة الفرنسية، لكن كون تلك المعدات بها أجهزة أمريكية (أنا ما عندي معلومة), وأنا لا أريد أن أدلي بحديث لست متأكداً منه”. وأضاف: “بالنسبة إلى المعدات الأمريكية فالأمريكان دقيقون، والشركات الغربية تخشى استخدام المعدات الأمريكية حتى لا تقع تحت طائلة العقوبات الأمريكية في ذلك الوقت (بناء السد)”, وضرب مثلاً بقوله إنه في بداية العمل بالسد 2005 برزت الحاجة إلى (سوفت وير) لإدارة المستندات (لتبادل المستندات) بين الأطراف الثلاثة, فالمقاول الصيني لتنفيذ الأعمال المدنية شركة موجودة في الصين، ومقاول الأعمال الإلكتروميكانيكية ألستوم ورئاستها في فرنسا، وهناك مقاول ثالث وهو استشاري ألماني رئاسته في ألمانيا، شركة لاميير، وفي البداية تطلب العمل وجود برنامج لتبادل المستندات في ذلك الوقت بين هذه الأطراف الثلاثة، و(السوفت ويرز) المشهورة والأكثر استخداماً هي أمريكية، ولم يستطع المقاول جلب هذا (السوفت وير) لأنه كلما اتصل بأي من الشركات الأمريكية لمده به كانت الشركات تعتذر بأنها لن تمنحهم رخصة استخدامه، رغم أنه ليس برنامجاً تقنياً إنما برنامج لتبادل المستندات، في النهاية لجأنا إلى الاستشاري الذي عن طريقه عثرنا على شركة ألمانية قدمت لنا (السوفت وير).

ولم يستحضر جاويش الفترة التي أمضوها في البحث عن (السوفت وير) البديل إلى أن حصلوا عليه, ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو أنه إذا تبدت الحاجة لمنتج أمريكي في مجال برامج لتبادل المستندات فما بالك ببناء سد كامل؟

سيف العقوبات

معدات المستشفى تختلف لأنها صغيرة ويمكن شراؤها من وكيل في دبي بالإمارات العربية المتحدة أو المنطقة الحرة, لكن في معدات كبيرة لسد لا تستطيع إخفاء الدولة الذاهبة إليها. تلك إفادة جاويش الذي استبعد وجود معدات أمريكية بالسد لأن الشركات الغربية لن تأخذ معدات تخفيها من أمريكا, فالأصل أن أي معدات تأخذها من أمريكا لابد من إخبار أمريكا بالبلاد التي ستذهب إليها المعدات، فلا يمكن أن تشتري ألستوم مثلاً معدات من أمريكا ومن ثم تتصرف فيها كما تشاء باعتبارها ملكاً لها، وعلى أي شركة تسعى لشراء معدات من أمريكا أن تبلغها بالموقع المرسلة إليه حتى ولو لم تكن لأمريكا مشكلة مع البلد المعني، فنظام الشراء العالمي أن الشركات لا تشتري لأغراض التخزين إنما تشتري ما تحتاج إليه من دولة المنشأ وتشحن إلى المكان أو البلد الذي تريد أن تستخدم فيه المعدات, لذا فإن الشحن من بلد المنشأ أي أمريكا إلى السودان غير ممكن.

ولما كانت معلوماتي تفيد بوجود معدات أمريكية في السد، جزم جاويش بأن الشركات الغربية أو الكبرى لا تغامر في هذه المسألة، لأنها تتعرض لعقوبات, ولقد سمعنا في الفترة السابقة أن عدداً من البنوك تعرض لعقوبات أمريكية لأنها تعاملت مع بعض الدول التي تفرض عليها أمريكا عقوبات، لذا فمن الوارد أن تتعرض تلك الشركات لعقوبات بحيث تذهب كل أرباحها في المشروع المعني تجاه العقوبات التي تفرض عليها.

وعن موقف الحكومة من شراء شركة جنرال إلكتريك الأمريكية لشركة ألستوم في نهاية العام الماضي تقريباً وعما إذا كان الشراء تم قبل نهاية فترة الضمان أم بعدها؟

أوضح جاويش أن شركة ألستوم تشمل أقساماً كثيرة منها الطاقة، والجزء الخاص بالهايدرو (التوليد المائي أو الطاقة) وهو الذي يعنينا في هذا المقام، لم تشتره شركة جنرال إلكتريك، فهي اشترت الجزء الخاص بالثيرمو بور (التوليد الحراري) لذا حتى الآن ليست لدينا مشكلة.

ثانياً، حتى لو أن أمريكا اشترت ألستوم كلها وأوقفتها عن العمل في السودان، فالخيارات موجودة ولا مشكلة, فخزان سنار يعمل من 1925 وخزان الروصيرص يعمل من 1966، فلا مشكلة في الحصول على قطع غيار أو صيانة. فهناك شركات تعمل في هذه المجالات في حال أن أمريكا اشترت الجزء المتعلق بالطاقة من ألستوم.

مسؤوليات ألستوم بعد التنفيذ

وحول مسؤوليات ألستوم تجاه السد بعد الفراغ من تنفيذ التزاماتها تجاه السد، أوضح جاويش أن مسؤولياتها بعد الانتهاء من أعمالها يتم ترتيبها في عقد منفصل، أولا هناك فترة ضمان بعد تنفيذ مسؤولياتها، وبعد نهاية فترة الضمان – خمسة أعوام على وجه التقدير- يتم توقيع عقد صيانة مع الجهة التي نفذت العمل، ولكن العمل جار حالياً مع ألستوم خلال فترة الضمان والصيانة متوافرة. وثانياً ليس كل أعمال الصيانة نحتاج فيها إلى ألستوم، هناك فريق مهندسين سودانيين تم تدريبهم في الفترة الماضية، كما أن محطة الكهرباء حديثة لا تحتاج إلى أعمال صيانة كثيرة بخلاف المحطات القديمة التي تحتاج إلى الكثير من الصيانة, والمهندسون والفنيون الذين تم تدريبهم من السودانيين يقومون بالصيانة العادية الروتينية ولو هناك أمر معقد سيتم الاتفاق مع شركة صيانة إذا كانت ألستوم نفسها توقفت عن العمل.

اترك رد