أحدث الأخبار

مابين استقلالية القرار الأفريقي… وضغط المجتمع الدولي

افريقياالاتحاد الأفريقي والمحكمة الجنائية الدولية ….من يشد الحبل ؟

*مكي المغربي، المعركة الفاصلة بين الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي لم تكن في جوهانسبيرغ، بل كانت في أديس أبابا

* اتفاقية روما المؤسسة للمحكمة الجنائية، صادقت عليها 34 دولة ، مما يجعل من أفريقيا المنطقة الأكثر تمثيلاً فيها، وخروج القارَّة الأفريقية عليها بمثابة ضربة قاتلة لها.

* رمضان العمامرة : الولايات المتحدة وروسيا والصين – لم توقع ولم تصدق على نظام روما الأساسي الذي أنشئت بموجبه المحكمة

تقرير : الخرطوم الجديدة

مثلت مشاركة الرئيس عمر البشير في القمة الأفريقية الأخيرة بجنوب أفريقيا فصلاً جديداً من المواجهة بين القارة السمراء والمجتمع الدولي عبر المحكمة الجنائية الدولية، لقد انتصرت إرادة الاتحاد الأفريقي، ليرى عدد من المراقبين أن السودان نجح في إقناع القادة الأفارقة بموقفه حول المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما قاد إلى تحجيم فاعلية المحكمة بالقارة السمراء، وهو أمر لا شك في أنه يمثل تحدّياً قوياً لإرادة المجتمع الدولي الذي تسيطر عليه الدول الكبرى.

الصورة السائدة في الأذهان أن الاتحاد الأفريقي لا يملك الإرادة ليكون فضاء يجمع شعوباً مختلفة تحت مظلة واحدة، فكل دولة من الدول الأعضاء تعيش عالماً مختلفاً عن الدول الأخرى، وما يتم وضعه من برامج لا يجد طريقه إلى التنفيذ في معظم الأحيان، إلا أن ما حدث تجاه ملف الجنائية ربما يعيد تغيير تلك الصورة الذهنية.

معركة فاصلة

ويقول مفوض السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي، رمضان العمامرة، عن الجنائية الدولية: “إنها ليست إلا محكمة تابعة للشمال خصصت لمحاكمة زعماء من الجنوب”. وأضاف أنه ليس منطقياً أن تحيل الأمم المتحدة الرئيس السوداني عمر البشير إلى المحكمة الجنائية وثلاث من الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن – وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين – لم توقع ولم تصدق على نظام روما الأساسي الذي أنشئت بموجبه المحكمة. وختم بالقول: “كيف يمكنكم إحالة قضايا الآخرين إلى المحكمة، وأنتم لا ترون أنفسكم ملزمين بالامتثال لنفس القاعدة؟”.

منذ إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وجهت تهماً لثلاثين شخصاً – جميعهم أفارقة – بجرائم وقعت في ثماني دول أفريقية، هي الكونغو الديمقراطية، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وأوغندا، والسودان، وكينيا، وليبيا، وساحل العاج، ومالي، وهو ما جعل القادة الأفارقة يتهمونها بالعنصرية واستهداف القادة الأفارقة، الأمر الذي نفته الجنائية الدولية.

وقد وقعت 43 دولة أفريقية على اتفاقية روما المؤسسة للمحكمة الجنائية، منها 34 دولة صادقت عليها، مما يجعل من أفريقيا المنطقة الأكثر تمثيلاً في تشكيل المحكمة، وهو ما يجعل خروج القارَّة الأفريقية عليها بمثابة ضربة قاتلة لها.

في ذات السياق، يرى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي، مكي المغربي، أن المعركة الفاصلة بين الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي لم تكن في جوهانسبيرغ، بل كانت قبلها في أديس أبابا، ويشرح حديثه بالقول: “بدأ الصدام بشكل واضح في معركة مراقبة الانتخابات السودانية الأخيرة بعد أن عدل موظفو الاتحاد تقرير الخبراء وأوصوا بعدم مراقبة الانتخابات، إلا أن القادة الأفارقة انتقدوا التقرير وعصفوا به واتخذوا القرار الذي ينسجم مع مصالحهم والقاضي بمراقبة الانتخابات في الدولة العضو، وإلا كانت ستكون سابقة خطيرة ستفتح الباب أمام الكثير من المخاطر”.

ويشير المغربي إلى أن الاتحاد الأفريقي وبقية الكيانات الأفريقية باتت تتمتع باستقلالية في اتخاذ قراراتها، إلا أنه يستدرك: “هناك العديد من المهددات التي من الممكن أن تعيد الاتحاد الأفريقي لبيت الطاعة، على رأسها التمويل”، ويضيف المغربي أن الاتحاد الأفريقي يعتمد في تمويله بشكل كبير على الاتحاد الأوروبي بشكل جعل مراقبين يغالون ويصفونه بأنه بمثابة ذراع للأخير، ويمضي المغربي في حديثه بالقول: “الصين تمثل داعماً رئيساً لأنشطة الاتحاد الأفريقي ودوله وقد قامت ببناء مقره الضخم في أديس أبابا”، ويختم المغربي حديثه بالإشارة إلى أن دلاميني زوما عند انتخابها وعدت بإحداث استقلالية مالية للاتحاد الأفريقي عبر مشاريع استثمارية ضخمة (فنادق، منتجعات،… الخ) إلا أنها لم تفلح تماماً في تنفيذ برنامجها الطموح.

وليس بعيداً عن هذا يقول مندوب السودان بالاتحاد الأفريقي، السفير عبد الرحمن سر الختم، إن الاتحاد الأفريقي لجأ إلى الشراكات مع المجتمع الدولي لحل مشكلة تمويل برامجه، ويضيف سرالختم: “بكل أسف لديهم أجندتهم الخاصة، ويحاولون التأثير على أجندة الأفارقة، ولعل ذلك من أكبر العقبات التي تواجه الاتحاد، لأن ذلك يقود لمصادرة قراره بحيث لا يملكه أو لا تكون هناك استقلالية للقرار الأفريقي”.

في المقابل يقول رئيس قسم الشؤون الدولية بصحيفة (الانتباهة)، المثنى الفحل، إن الاتحاد الأفريقي لم يستطع حتى الآن الخروج من عباءة الولايات المتحدة الأمريكية، ويشرح حديثه أكثر بالقول: “رهن الاتحاد الأفريقي نفسه للصراع الدولي وأصبح في منتصف التنافس الأمريكي الصيني في القارة، ولأن كلا الجانبين يسعى لتوفيق علاقته مع دول الاتحاد الأفريقي فإن الجانبين يحاولان عبر أذرع مختلفة التنافس على اصطياد أكبر عدد ممكن من الحكومات”، ويشير الفحل إلى أن السودان على سبيل المثال شهد مؤخراً انفتاحاً أمريكياً غير مباشر رغم العقوبات المفروضة في حين أن الصين تسعى أيضاً عبر شركاتها وعلاقاتها للانفتاح على الحكومات الأفريقية مهما كانت درجة تلك الحكومات من الهشاشة بالتعامل معها وكسب ثقتها، مما يعني أن علاقات الدول الأفريقية مع أمريكا أو الصين هي التي تتحكم تلقائياً في آليات الاتحاد الأفريقي رغم أن الاتحاد يبدو أنه يسلك طريق الحياد لكنه في النهاية محكوم بتلك العلاقات.

محددات النشاط

عزز الاتحاد الأفريقي التكامل السياسي لأفريقيا بتنفيذ الشراكة الجديدة من أجل تنمية أفريقيا في عام 2002 وتحويل منظمة الوحدة الأفريقية إلى الاتحاد الأفريقي الذي يجمع اليوم 53 دولة أفريقية، وقد حقق الاتحاد الأفريقي ابتكارين رئيسين مقارنة بمنظمة الوحدة الأفريقية، أولهما يتعلق بإمكانية فرض عقوبات على الدول الأعضاء التي لا تتوافق وسياسات وقرارات الاتحاد الأفريقي. وبالإضافة إلى ذلك، عزز ميثاق 2007 أهداف الديمقراطية والحكم الراشد، أما الأمر الثاني فهو إقراره الحق في التدخل عندما يهدد النظام الشرعي، وهذا ما يتعارض مع مبدأ عدم التدخل، حامي السيادة، ووفقاً لذلك فقد تم تأسيس قوات أفريقية للتدخل السريع.

ويقول المحلل المهتم بالشؤون الأفريقية، فيليب هيجون، إن نشاط الاتحاد الأفريقي يبقى محدوداً أمام سيادة الدول الأعضاء الكبرى. وعلاوة على ذلك، فإنه يفتقر إلى الاستقلال عن الاتحاد الأوروبي في تمويله. ومع ذلك، شهد الاتحاد الأفريقي مع اختفاء بعض القادة الأفارقة مثل (القذافي، واد) الذين كانوا يريدون التقدم نحو حكومة الولايات المتحدة الأفريقية، فقدان نفوذ كبير، خصوصاً مع ضعف التكامل الإقليمي.

ويشير هيجون إلى أن نقاط ضعف الاتحاد الأفريقي تتلخص في نقطتين الأولى هي صراع المصالح، ويشرح ذلك بقوله: “يعكس الاتحاد الأفريقي التنافس بين الدول الأعضاء ويتميز بالمعارضة بين قوتين متنافستين: نيجيريا وجنوب أفريقيا، كلاهما تريد ممارسة الزعامة القارية وتهدف إلى احتلال منصب عضو دائم في مجلس الأمن الدولي”، أما النقطة الثانية وفقا لهيجون فهي ذات صلة بتعبئة جماعية ضعيفة في صالح الأمن، ويقول: “يختفي الخطاب الأفريقي للباكس أفريكانا pax africana أمام انخفاض التمويل وقلة الالتزام تجاه السلام والأمن”، ويزيد: “لم يتمكن أو لم يعرف الاتحاد الأفريقي ممارسة سلطته أمام النزاع وتطور الإرهاب، وهكذا، فإن القوة الأفريقية لمكافحة بوكو حرام تواجه صعوبات مالية وصعوبة إنشاء نظام متعدد الأطراف. لذلك، تتدخل القوات الأفريقية وراء الجيوش الوطنية، أو الثنائية، قبل أن يتم في كثير من الأحيان نقلها من قبل قوات الأمم المتحدة، كما لا يزال الاتحاد الأفريقي حذراً حول التعدي على الحقوق في العديد من البلدان، أو عندما يتعلق الأمر بمعالجة الثورات الشعبية”.

 ويقول رئيس القسم السياسي بصحيفة (السوداني)، خالد أحمد: “بات الاتحاد الأفريقي يوماً بعد يوم يكتسب القوة والاستقلالية في الشؤون السياسية والأمنية والاقتصادية”، ويضيف: “في ذات الوقت بدأت تقوى شراكاته الإقليمية بشكل يعزز التكامل الأمني والاقتصادي”، ويزيد أحمد: “هناك خطوة جديدة ونوعية قام بها الاتحاد الأفريقي في توطين العدالة وتفعيل سياسة عدم الإفلات من العقاب كما حدث مع الرئيس التشادي السابق حسين هبري، كسابقة هي الأولى من نوعها على مستوى القارة، وإذا سار في ذات النهج لتطوير منظومة العدالة الأفريقية سيمنع تدخل الآليات الدولية كالمحكمة الجنائية لفرض ولايتها على ما يحدث في أفريقيا”.

ويمضي أحمد في حديثه ويقول: “بسبب مشاكل التمويل والتنسيق السياسي ما يزال الاتحاد دون أسنان، باعتبار أن القرارات التي يصدرها مجلس السلم الأفريقي ليست لديها القوة لتنفيذها على الأرض، ووضح ذلك في حالات حدوث نزاعات أو انقلابات”، ويشير رئيس القسم السياسي بصحيفة (السوداني)، خالد أحمد، إلى أن القوة الأفريقية التي تأسست في عام 2003 بهدف حفظ أو دعم السلام وهو ما يأتي ضمن العمل المشترك لوقف أي تدخل دولي، ويضيف: “قسمت هذه القوة إلى خمسة ألوية إقليمية متكاملة”، ويزيد: “أول هذه القوات ما تأسس في شرق أفريقيا وهدفها الأساسي منع التدخل الدولي في النزاعات المحلية وهذا الأمر يجد الدعم من الغرب، ألمانيا وأمريكا، باعتبار عدم قدرتها على التورط في كل النزاعات”، ويلفت إلى أن هناك سياسة دولية لترك أفريقيا لتحل أمورها بنفسها من المتوقع أن يكون لها دور في الصومال وجنوب السودان وهذا يصب في إطار تقوية الاتحاد الأفريقي.

بينما يقول المحلل المهتم بالشؤون الأفريقية، فيليب هيجون: “يجب على الاتحاد الأفريقي تنفيذ مبادئه المعلنة في الديمقراطية والحكم والتدخل. ولكن هذا يستوجب التمويل من طرف الدول الأعضاء، وخاصة تلك التي لديها موارد مالية كبيرة”. ويضيف: “يمكن لنقل السيادة وإنتاج السلع العامة على المستوى الإقليمي أن تفي تجاوز السيادة في سياق عابر للحدود. وبالمثل، فإن التكامل الاقتصادي الإقليمي يساعد على مواجهة التبعية الاقتصادية للجهات الحكومية. ومع ذلك، تتطلب هذه العملية دولاً قوية وديمقراطية، قادرة على منع أي تفتيت جغرافي”.

اترك رد