أحدث الأخبار

مهنيون أدباء

3024بقلم :هدى أحمد مهدي

هم أشخاص منحهم الله الحس المرهف، والفكر المتقد، وقيض لهم العلم والأدب، فخصهم بمهنة وموهبة. فالمهنة هي مجال تخصصهم، والموهبة هي امتلاك ناصية الأدب، فصار الواحد منهم مهنياً وأديباً، فلنقل مثلاً الأديب الطبيب، والأديب المهندس، أو أياً كانت مهنته، لأن الأدب موهبة يكتسبها الإنسان قبل اكتسابه مهنة التخصص، فينجذب الإنسان للكتابة والتأليف والإبداع في سن مبكرة، قبل حصوله على الشهادة العلمية في المجال الذي اختاره، ولفرط حب البعض للأدب وانشغاله بالكتابة، يتخلى أحدهم طائعاً مختاراً عن ممارسة المهنة التي ظل يحلم بها منذ صغره. ربما من وجهة نظره، أن المهنة والموهبة اتجاهان متعاكسان يصعب السير في طريقيهما معاً، أو ربما يتخذهما البعض ويبدع في كليهما.

إن أخذنا مهنة الطب كمثال، لصعوبتها واستيلائها على جل وقت الطبيب، الذي يمتهنها، التي تقتضي منه أن ينصرف إلى البحث والاطلاع المستمر، نجد أن هذا الطبيب الموهوب المولع بالأدب، قد اختار أن يجعل المهنتين تتقاطعان في نقطة واحدة، فهي مشفى للأبدان، كما هي علاج للنفوس والوجدان، وهو قد استطاع أن يبدع في الأدب، كما نبغ في الطب، ما يجعله يتمسك بكليهما، وكلاهما محيط تمكنه حصافته وتفرده وتميزه من اصطياد درره، وتساعده في أن يجعل زواج الأدب بالطب يستمر في توافق وانسجام، ويتيح له خياله الخلاق كسر القوالب الجامدة، والخروج على التصنيفات الصلبة، فهو يضع مهنته الإنسانية، في إطار منمق زاه من الأدب، مترع بالمتعة، محتدم بالمشاعر الدفاقة، محتشد بمفردات الحنو على المرضى، ويؤكد أن اليد التي تمسك بالمبضع وتبتر وتستأصل، يمكن أن تكون هي ذات اليد التي تمسك باليراع، فينسكب من بين أصابعها الألق وينداح الإبداع بلسماً يمسح آثار المبضع، وكما يشفي مبضعه ومجسه آلام الجسد، تشفي حروفه وكلماته آلام النفس.

تقصير الإعلام في إبراز الجوانب المضيئة في حياة المبدعين

الشيء الذي يدعو للحيرة، هو عدم اتخاذ المبادرة من الإعلام بشقيه، المرئي والمقروء، للتوثيق للأدباء المبرزين في مجاليهم المهني والفني، كإنسان فاعل في مجال تخصصه، وكمبدع مشحونة نفسه بأبجديات الجمال، ويتوغلون بداخله ليكتشفوا الجوانب المستترة من حياته الأدبية والإنسانية المترفة، التي حتماً سوف يتفيأ القراء ظلالها الوريفة، التي يتواصل عطاؤها من خلال مهنته التي يمارسها. ومن المؤكد ستدفع بالكثيرين من أصحاب المواهب والمبدعين ليتبعوا خطاه، فما أجمل أن يكون الطبيب أديباً، أو الأديب طبيباً لأنه سيكون كما قال الدكتور فخري الدباغ “في أشد الاختلاط مع الإنسانية المريضة أثناء علاجه لها”. وما أجمل أن يجنح صاحب كل مهنة يسكنه العطاء، إلى أن يجعل أدواته المهنية وقدراته الفكرية تتلاقح لتتمخض عن قيم جمالية، ومفاهيم إبداعية، تعانق فضاء النفوس المجدبة الغارقة في يم همومها.

د.-عمر-محمود-خالد-51توجد حتماً نماذج كثيرة تزخر بها بلادنا الودود الولود، لكنها إما أنها لم تجد الفرصة المناسبة لتعلن عن نفسها، أو أن تكون قابعة في قوقعتها في انتظار من يكتشفها، والعيب في إعلامنا الذي لا يريد أن ينزل من قصره العاجي، ليأخذ بيد هؤلاء إلى النور، وينجرف إلى ميدان السياسة الشاغل الأساسي في حياة الناس. فكل من عرفت أصابعه الإمساك بالقلم، تمنطق يراعه وأرسل قذائف الكلام، أو زرع أحرفه ألغاماً في كل ساحات الصحف – والغريب في الأمر أنهم هم الذين جاءوا بأولئك الساسة عبر صناديق الاقتراع – ولأننا لا ندرك قيمة الإبداع في حياتنا، لذلك أهملنا تلك الحقول المزهرة المثمرة لتذبل وتموت، دون أن يرتادها الناس ليستمتعوا بروائع الأدب والفكر والفن. وتبقى الصحف جاف ضرعها متيبس زرعها، لا يحصد منها سوى الأشواك.

وربما لأن معظم كتابنا من هواة مقارعة السياسة، وحقل الأدب والفنون حقل شاعري، رواده نخبة تلبس ثوب الإبداع الفكري والخيال المتدفق، لذلك نشأ اختلال في التوازن بين المساحة المحجوزة للسياسة، وتلك الممنوحة للأدب والفكر والإبداع، وأقامت السياسة مستوطناتها في أماكن كان يمكن أن يستوطنها الأدب. ونتيجة لإسراف وغلو تلك الأقلام، وجموحها إلى النقد والمعارضة والملاسنة، ضاقت مساحات الأدب الذي افتقد المكان الذي يمكنه من فرد أجنحته فيه، لذلك أصبح الإنتاج الفكري لاجئاً، لا يملك أدنى مقومات الوجود والاستمرارية.

مطلوب توسيع المساحة الخاصة بالإبداع في الصحافة

نحن نحتاج إلى تحسين الصفات الوراثية الإبداعية في الإنسان العربي عامة، والسوداني على وجه الخصوص، حتى يرتفع معدل توجهه إلى إبراز إنتاجه في الأدب. إن المبدعين في بلادنا على قلة حضورهم كثر، لكننا نريد أن تتسع مواعين احتواء منتوجهم، لتوقظ فيهم همة متوسدة الأعماق، حتى يعبروا أحراش الدعة إلى فضاءات أرحب، ينبلج فيها ضوء ورؤى جديدة، ترسم خريطة طريق، تقود إلى تعايش متوازٍ بين الأدب والسياسة، بدلا من سياج الفصل العنصري، الذي يبتلع كل المساحات، فيصاب القارئ بالاكتئاب، مما يطالعه من أخبار الحروب والفتك والقتل والدمار، تتبعه أخبار رياضية خائبة، لم تترك سيوف الهزيمة موضعاً في جسدها، لكن شيء من هذا، وشيء من ذاك، يجعل الأمور تتلاقح في توالد ثري.

إنه من المهم أن يلم القارئ بكل ما يحدث من حوله من مجريات تستجد في بلده، وفي البلاد الأخرى، لكن الإنسان أيضاً فطر على حب الجمال، والنفور من البشاعة، لذلك هو يحتاج إلى أن يدعم ليتفجر إبداع مكبوت بداخله، يغذيه ما يطلع عليه في ما حوله.

تجاهل مؤسسات النشر للكتاب والشعراء والمبدعين

تهتم الدول المتقدمة بالنشر ومؤسساته، وبالشعراء والكتاب، وتتبناهم، وتفتح لهم الآفاق ليتسلقوا سلم الإبداع، ويساهموا في ترقية الأذواق والحس لدى الناس، لذلك تفتح لهم دور النشر أبوابها، وتفرد لهم الصحف مساحاتها، لكن عندما يحدث عكس ذلك، وتحجز الأماكن في الصحافة لكبار المبرزين في عالم السياسة، وتزدحم بأقلامهم مساحاتها، ويصدح الإعلام المرئي والمسموع بالكلام عن الخلافات والاختلافات بين الحكام والساسة والأحزاب المعارضة، فتفوح رائحة الكراهية والحقد، ويطفو وجوب إزاحة الآخر للتفرد بالسلطة، فينشط المتخصصون في التطبيل والتملق، ويدلون بدلوهم أيضاً. ماذا بقي للإبداع والمبدعين سوى الزوايا الضيقة، التي لا يستطيعون التحرك فيها ولو على أمشاط أصابع أقدامهم. ناهيك عن تشييد بنيانهم الثقافي والفكري والفني، لذلك يحدث التصحر الفكري، والجفاف الوجداني، والتعرية في المشاعر والأحاسيس عند فئة تحتاج إلى معادلة في الغذاء الفكري، ليحقق لها التكيف والاندماج الاجتماعي والثقافي.

لذلك نأمل أن تتساوى الفضاءات في إعلامنا، وبالأخص المقروء، ليجنح فيها الكتاب للسباحة في بحور الثقافة، والغوص في أعماق الفن، من أجل تنمية عقول نشء، يحتاج إلى تثقيفه بالفنون الراقية، وللتوثيق للأجيال الآتية، ورحمة بالقارئ الذي طفح به الكيل، وهو لا يجد أمامه سوى من يلبسون الأنظمة ثياباً لا يراها المواطن على مقاس الحكام، الذين يضعون الإنسان في ذيل اهتماماتهم، ثم لا يفطنون إلى احتياجاته أو حتى وجوده وهم يقلبون قوائم أولوياتهم، سوى عند اقتراب موعد الانتخابات، فيبدأون في كيل الوعود التي تتبخر بمجرد جلوس أحدهم على كرسي الحكم.

ورغم علمنا بأنه من الصعب الحصول على صحافة متزنة تحقق ولو نسبة ضئيلة من هذه المطالب، لكن يظل الحلم بصحافة تسعى، أو تسخو ولو بالقليل من المساحات المشرقة، علها تتمكن من اقتلاع الهم والغم من على واجهة نفس إنسان هذه البلاد، الواقع في دائرة مأزقين أحلاهما مر، إما أن يتصفح صحفاً يوظف كتابها قدراتهم البلاغية وتلاعبهم بالألفاظ لتكبير من أحبوا ولو كان قزماً، وتصغير من كرهوا ولو كان هرماً، ويبيعون دماء أقلامهم الملوثة بفيروسات تسلط الأنظمة وجبروتها لأناس يفقدون مناعة إنسانيتهم بتغذية عقولهم بدم تلك الأقلام الموبوء، وإما أن يحجموا عن الاطلاع عليها، وعندها ستكون قائمة الإلزاميات قد أضيفت إليها إلزامية الأمية، بعد إلزاميات الخدمة العسكرية، والجهادية، وغسل الأدمغة. وهنا تكون الكارثة، لأن السواد الأعظم من المواطنين يعتمد في تثقيف نفسه على الاطلاع في الصحف، فالغالبية تحصل عليها ممن تمكن من اقتنائها. وبطبيعة الحال لا مجال لشراء كتاب.. لأن الكتاب بات حلماً لا يستطيع تحقيقه سوى ميسور الحال، الذي هو بدوره مشغول بتوسيع دائرة جمع المال، ولا وقت لديه للجلوس مع كتاب. وإذا نظرنا للفضائيات كبديل عن الصحف – ولا يمكن أن تكون خلفاً للكتاب- فهي قد تحولت إلى “مجروس” – ناقلات الجنود- ناهيك عن الركود والجمود والتكرار الذي تسبح فيه، وعدم مقدرة كادرها على الخلق والابتكار والإبداع، لاقتناص المتعة والمعرفة التي اختزنتها الطبيعة في حناياها.

اترك رد