أحدث الأخبار

دار المايقوما… “الغلطة” لحظة.. والندم سنين

12735352191الخرطوم : عفاف عبد الرحيم

الداخل إلى هذا المكان للمرة الأولى، يشعر برهبة، وينتابه إحساس عميق بأهمية الانتماء.. فلذات أكباد، حرمتهم نفوس أنانية، وعقول غائبة من حقهم الطبيعي في العيش وسط بناء اجتماعي عماده الأم والأب، والأسرة الكبيرة، ليحاطوا بالرعاية المستحقة، ويحفوا بالحنان الدفاق.. لكنهم ودون ذنب جنوه رمت بهم أقدارهم إلى هنا، ليشبوا تحت حفظ الله، ورعاية آخرين سخرتهم العناية الإلهية من أجل هذا الغرض.

سيرة قصيرة :

قبل العام 1961م كانت دار المايقوما عبارة عن مركز صحي يهتم برعاية الأم والطفل، وبعد ذلك تحولت إلى ملجأ، ومن ثم إلى دار للأيتام، وكانت تابعة لوزارة الصحة، وفي العام 1994م أصبحت تابعة لوزارة الرعاية الاجتماعية بكل مسمياتها إلى أن وصلت إلى وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم. (الخرطوم الجديدة) قامت بزيارة الأطفال فاقدي السند في مقامهم (الإجباري) ووقفت على الأصل والحقيقة، فكان هذا الحصاد الممزوج بالدموع والشفقة.

 جريمة كاملة:

تتعدد الحكايات ولكن المأساة واحدة، أغلبهم تم العثور عليه ملقى في قارعة الطريق أو بين الأزقة المظلمة داخل لفافة، يحيط به الخطر في أي لحظة، والناجون بينهم من وجد طريقه إلى هذه الدار بطريقة أو أخرى عن طريق بلاغ من (فاعل خير) للشرطة التي تقوم بالإجراءات اللازمة.

… الأمهات الغائبات في العادة يؤثرن السلامة من وصمة العار، فيسلكن الطريق الذي يؤمن لهن –حسب اعتقادهن – نهاية آمنة دون ترك أدلة تشير إلى جريمتهن.. والقصة معروفة، تبدأ بتأمين المشفى أو الداية التي تقوم بعملية الولادة، وتنتهي بالتخلص من (الفضيحة) وبدم بارد، حيث الشارع المظلم، أو باب المسجد، أو بصورة أكثر قسوة عند ناحية لا يمر بها أحد حيث يصبح المولود تحت رحمة الكلاب.

تسلم رسمي:

تقول زينب أحمد علي أبو جودة، مديرة الدار، إنهم يتسلمون الأطفال من عمر يوم إلى أربع سنوات ويتم ذلك عبر الشرطة، وأكدت أن أي طفل لديه أوراق شرطية ولا يتم تسلمه إلا بوساطتها، ووفقاً لزينب تصنف البلاغات في هذا الصدد إلى قسمين: (76) جنائي وهذا خاص بالأطفال مجهولي الوالدين و(144- 146) إجراءات وهو الطفل المعلوم الذي تأتي به أمه حتى تتمكن من تحسين أوضاعها وبعدها تسترده من الدار أو تكون على علم بالأسرة التي تتبناه، وذلك بعد إقامة الحد عليها. وقالت إنهم تمكنوا من إعادة 766 طفلاً إلى ذويهم ضمن برنامج إعادة الدمج.

صعود وهبوط:

أشارت المديرة إلى أن عدد الأطفال بالدار يتراوح بين 200- 250 وهو عدد غير ثابت، وأن معدل الاستيعاب الشهري من 25- 30 ويرجع ذلك إلى أسباب مختلفة منها وفاة الأطفال حديثي الولادة إذ أن بعضهم يتم التبليغ عنه بعد فوات الأوان، أو تبنيهم عبر الأسر البديلة. وقالت إن الدار قبل العام 1990م كانت لا تسع لإيواء أكثر من 90 طفلاً إلى أن قامت السفارة اليابانية بتشييد مبنى من طابقين فأصبح بإمكانها استيعاب 250 طفلاً.

 سبعة وزيرو:

أكدت زينب أبو جودة على الاهتمام الكبير الذي يحظى به الأطفال من قبل وزارة الصحة الولائية وأن لديهم وحدة كاملة ومجهزة تهتم بسلامتهم وبها المدير الطبي الذي يقوم بالإشراف عليهم، وعند تسلم طفل يكون في انتظاره سبعة موظفين وهم الطبيب والسستر والممرض والأم المرضعة وضابط التغذية والمعمل واختصاصي نفسي، وبعد الإجراءات اللازمة يتم وضعه في غرفة تعرف بـ (زيرو) لمدة خمسة عشر يوماً ويعطى بعضاً من المضادات الحيوية وذلك نتيجة الضعف الذي يعتريه بسبب حرمانه من الرضاعة الطبيعية. وتضيف أن 80% من الدعم القادم للدار يأتي من الدولة وأنها تدفع خمسة آلاف جنيه يومياً لسد حاجة الأطفال ويتكفل الخيرون بنسبة الـ 20% المتبقية.

 رب ضارة:

بدأ برنامج الأسر البديلة في العام 2004 كتجربة استلهمتها مجموعة من منسوبي الوزارة عند ذهابهم إلى رومانيا ونظموا برنامجاً مع (يونسيف) ومنظمة الأمل والمأوى وهي تجربة هدفها تفريغ الدار من الأطفال، ووجد بعض الأطفال أسراً ممتدة قامت بكفالتهم، وبالرغم من أن الطفل فاقد السند يعتبر عبئاً على أمه إلا أنه يكون مصدر خير لكثير من الأسر الفقيرة التي تتقاضى راتباً شهرياً يتراوح ما بين 350 – 400 جنيه بالإضافة إلى بعض من الأسر التي لم يرزقها الله بأطفال.

كفالة:

تقول زينب أبو جودة إن الكفالة نوعان: دائمة وتشمل كل أنحاء السودان حيث تقوم الأسرة بكل متطلبات الطفل وهذا في ما يتعلق بالولايات لأنها بعيدة عن الدار، وكفالة طارئة “الأسر البديلة” وهي تكون بولاية الخرطوم حتى تسهل المتابعة ولأي ظرف يتم إرجاعه، وشروط هذه الكفالة هي: موافقة من ولي الأمر بتصديق من اللجان الشعبية وحضور ولي الأمر لإبداء الموافقة، مشفوعةً بإثبات شخصية، وقسيمة زواج أو طلاق أو شهادة وفاة، مع إثبات شخصية مقدم الطلب للزوجة، وشهادة ميلاد أو تقدير عمر للزوجة، إضافة إلى شهادة حسن سير وسلوك من اللجنة الشعبية للزوجة، وشهادة سكن للزوجة، مرفق مع هذه الأوراق شهادة صحية. هذه الشروط تنطبق على الزوج في حالة أن الزوجة غير سودانية، وفي ما يتعلق بالولايات فإن الدراسة تتم عن طريق مكتب الرعاية الاجتماعية في الولاية.

رضاعة:

نفت المديرة العامة للدار وجود رجال يقومون بالإرضاع، ولكن الطلب الذي تم تقديمه كان يحمل المسمى الوظيفي (الرضاعة) والمقصود هو وجود رجال يقومون بتجهيز الموتى سواء أكان في المايقوما او المسنين إذ أن المرأة لا يمكنها القيام بذلك، وقالت إن الدار بها كثير من المرضعات ولا يوجد نقص حتى تتم الاستعانة برجال وإن ما نشرته إحدى الصحف في هذا الأمر ليس له أساس من الصحة.

تدرج:

 (عالية) إحدى الباحثات الاجتماعيات بدار المايقوما قالت إن الأطفال في هذه السن لا يميزون شيئاً وهم يشعرون تجاه كل شخص يلتقونه أنه قريب لهم ولكن بوصولهم سن الرابعة يتم تعليمهم والتمهيد لهم لكيفية التعايش مع المجتمع شيئاً فشيئاً، وأضافت أن المجتمع ما زال غير متفهم أن هذا الطفل لا ذنب له حتى يكون هناك حذر في التعامل معه.

حكم اليتيم:

عندما وقفنا أمام دار المايقوما فوجئنا باللافتة التي تحمل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول: “أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة”. احتارت عقولنا كيف يطلق على مجهول الأبوين (يتيم)؟ فعرفنا من مديرة الدار أن مجمع الفقه الإسلامي أصدر فتوى تقول إن الطفل في هذه الحالة يتيم ويجوز له ما يجوز لليتيم وهو الأكثر يتماً حيث إن لا أسرة ممتدة له.

شجاعة:

الدكتور (طارق) تفتحت عيناه على الدنيا في دار المايقوما وتبنته أسرة أحسنت تنشئته وتفوق في حياته إلى أن أكمل دراسته وأصبح طبيباً في ألمانيا، أحب طبيبة من نفس البلدة وحكى لها عن قصته، لم ترفضه بل تمسكت به وتزوجها وأنجبا بنتاً، وعندما توفي والده “مربيه” كان هو أول الحاضرين لتلقي العزاء، الدكتور طارق قام بزيارة الدار وكان فخوراً بأنها صنعت منه رجلاً لا يخشى المجتمع.

اترك رد