أحدث الأخبار

أستاذ عبدالعاطي ، و”التحوُّل الديمقراطي”!!

 بقلم : علي يس

  • ·        أول مرَّة عرفتُ فيها معنى “الديمقراطية ، كانت قبل ما يناهزُ أربعين عاماً ، في المدرسة الإبتدائية ( طبعاً سمعت بها قبل ذلك ببضع سنوات ، في الراديو ، ولكن لم أكن أعرف معناها).. أُستاذ عبد العاطي – أظن أن هذا كان اسم ذلك المدرس خفيف الظل – هُو من علَّمنا ، عملياً ، معنى الديمقراطية ، وكانت النتيجة فوق احتمال مدير المدرسة ، الذي علَّمنا ، بدوره ، كيف يكون “الإنقلاب على الديمقراطية”!!
  • ·        أستاذ عبد العاطي كان فتىً مفتوناً بالديمقراطية إلى حدِّ أنه كان يكتب فيها شعراً .. وكان ، برغم كونه مدرس تاريخ ، يعتبر أن من واجبه أن يعلِّم تلامذته ، بجانب التاريخ ، الديمقراطية كما ينبغي أن تكون ، ولهذا ، فقد جاءنا ذات يوم وسألنا عن معنى الديمقراطية ، فلم يجد بيننا ديمقراطياً واحداً ، فأخذ الطباشيرة وجعل يشرح لنا معنى الديمقراطية ، ويومها عرفنا ، لأول مرة ، شيئاً من تاريخ أثينا ، ومعنى “حُكم الشعب ” ، وعرفنا أن حُكم البشر يجب أن لا يكون “على كيف أحد” حتى ولو كان هذا الأحد هُو الناظر نفسه !!(قالها أستاذ عبدالعاطي ، بصوتٍ منخفض نسبياً ، وهو ينظُر إلى باب الفصل) ، بل يجِب أن يُحكم الناس  – والحديث لعبد العاطي – على كيفهم ، وكما يُريدون أن يُحكموا !!
  • ·        ويبدو أنه أحس بأننا لم نفهم مغزى حديثه الأخير ، فراح يشرح ، قائلاً :

-         يعني الناس لو ما عايزين “العُمدة” يغيروهو .. بالديمقراطية ، يقولوا نحنا ما عايزين فلان ، عايزين يحكمنا فلتكان ، مش مخيَّرين؟؟

  • ·        ويبدو أن عيوننا الصغيرة كانت تُعبِّر عن عدم الفهم ، فراح يقرِّبُ الصورة بشكل أكثر وضوحاً :

-         يعني إنتو مثلاً .. لو ما عايزين استاذ حسن يدرسكم الحساب ، وعايزين استاذ محمود ، تمشوا كلكم تقولوا للناظر عايزين استاذ محمود .. والناظر مجبور ، بحكم الديمقراطية ، يحقق ليكم رغبتكم !!

  • ·        ويبدو أن أستاذ عبدالعاطي  لمس الوتر الحسَّاس في نفوسنا ، فقد كان “أستاذ حسن” مدرس الحساب قاسياً معنا ، وكان السوط لا يفارق يده ، بينما كان أُستاذ الحساب الآخر ، محمود ، رجُلاً رقيقاً لا يتقن جلد التلاميذ ، ولا يتجاوز – في أقصى حالات غضبه – أن ينادي التلميذ المغضوب عليه في مكتب الأساتذة ، ثم ينهره نهرة نهرتين ، ثم يقول له : والله تاني تسوِّي كده أنهِّرك جنس نهَّير!! يلاَّ أمشي!!
  • ·        حين انتهت حصّة أستاذ عبدالعاطي  تلك ، وكان بعدها “فسحة الفطور” ، لم نخرج مباشرةً كما كنا نفعل ، فسندوتشات الفول والطعمية ملحوقة ، بل جلسنا نتشاور في كيفية انتزاع حقنا الديمقراطي في اختيار أستاذ الحساب الذي نريد .. في الواقع كُنَّا مترددين بعض الشيء، خصوصاً وأن مكتب الناظر لا يتسع لنا جميعاً ونحن بضعة وخمسون تلميذاً ، وأستاذ عبدالعاطي  قال “تمشوا كلكم للناظر”.. يعني يجب أن نقف جميعنا أمامهُ في ذات اللحظة ، والأستاذ قال “تقولوا ليهو عايزين استاذ محمود”.. يعني يجب أن نقولها كلنا بصوت واحد ، وهذه ، بدورها ، صعبة بعض الشيء ، فنحنُ تعوَّدنا أن نقرأ أو نردد بعض الكلمات بصوتٍ واحد ، ولكن ليس من تلقاء أنفسنا ، بل وراء الأستاذ ، وأستاذ عبدالعاطي  لم يقل أنه سوف يذهب معنا إلى الناظر!! ثم – ألقى عبدالله “الألفة” ملاحظةً مخيفة – : ماذا لو جلدنا الناظر؟
  • ·        بدا لنا الأمر مغامرة غير مأمونة العواقب ، وساورتنا الشكوك في نوايا أُستاذ عبدالعاطي  وجدِّيَّته في طرح ذلك الخيار الديمقراطي ، فانصرفنا إلى كُشك “حاجَّة مدينة” بائعة السندوتشات ، وإن لم ننس الأمر نسياناً كاملاً ..
  • ·        حين جاءنا أستاذ عبدالعاطي  ، بعد يومين ، في حصَّة جديدة ، وقبل أن يبدأ الدرس ، رفع أحدنا يده طالباً الحديث:

-         نعم ..

-         أستاذ .. إنت مش قلت ممكن نمشي للناظر عشان يغير لينا أستاذ حسن؟؟

-         أيوة .. الديمقراطية بتديكم الحق ده..

-         نمشي كلنا للناظر

-         أيوة

-         مكتب الناظر ما بشيلنا !!

  • ·        ضحك أستاذ عبدالعاطي  ، قائلاً :

-         ما ضروري تدخلوا كلكم المكتب ، ممكن  تختاروا مناديب منكم ، يعني خمسة ولا ستة يمشوا يكلموا الناظر ، والباقين يقيفوا برَّه المكتب ، ولو الناظر ما صدَّق مناديبكم ديل ، حيجي يسألكم كلام المناديب ديل صاح ولا لا ، لو قلتوا ليهو صاح طبعاً خلاص ، حيغير ليكم استاذ حسن.. ما المسألة مسألة ديمقراطية!!

  • ·        كُنت – شخصياً – أحد “المناديب” الذين تم ترشيحهم لمخاطبة الناظر كفاحاً ، وكُنَّا سبعةً ، فوجيء الناظر بدخولنا عليه معاً ، فتساءل محتاراً :

-         نعم ..

-         فندي .. نحنا ما دايرين استاذ حسن يدينا الحساب .. دايرين استاذ محمود !!

  • ·        سكت الناظر برهةً ، إذ بدا أنه لم يستوعب الأمر ، ثم نظر في وجوهنا نظرةً بدت لنا مخيفة ، قائلاً بنهرةٍ ارتجفنا لها :

-         ما سمعتكم كويس .. قلتوا شنو؟؟؟

  • ·        تلعثمنا واختلطت أصواتنا ، ويبدو أن مجموع ما نطقنا به من كلماتٍ مترددة ، تمكن من إيصال فكرتنا إلى الناظر ، وقد قُلتُ لهُ – في اجتهادٍ خاصٍّ منى – أن هذا هو رأي الفصل كله ..

-         ماشاء الله .. ماشاء الله ..

  • ·        قالها الناظر بنبرةٍ توجستُ منها شخصياً ، وبدا لي أن يومنا لن يمر على خير .. ثم أمرنا أن نرجع وننتظره في الفصل ..
  • ·        سريعاً جاء الناظر وراءنا ، كان يبتسم ، مما بدد مخاوفنا ، وقف أمامنا وقال بصوتٍ ودود :

-         الما داير استاذ حسن يرفع إيدو..

  • ·        ارتفعت إيادينا جميعاً ، وقد أيقنَّا بأن خيارنا الديمقراطي في سبيله إلى التحقق .. نظر الناظر إلى الأيدي المرتفعة ، وتحقق بنفسه من أن الجميع رفعوا الأيدي ، ثم تركنا رافعي الأيدي ومشى ناحية الباب ، منادياً ، بصوتٍ مخيف :

-         عم حسنين ..

  • ·        “عم حسنين” كان خفير المدرسة ، ولم يحدث أن دعاهُ الناظر إلا ليطلب منه شيئاً واحداً : أن يأتي ب”سوط العنج” ، وهو سوطٌ خاص ، معلَّق في مكتب الناظر ، لا يُلجأ إليه إلا في حالات الطواريء القصوى ..
  • ·        طبعاً .. تعرفون ما حدث ، فقد أكلنا ، جميعنا ، علقةً ما نزالُ نذكُرها .. ثم وقف الناظر ، بعد العلقة ، ليسألنا سؤالاً واحداً ، فقد خمَّن أن هذا الذي فعلناهُ ليس من بنات أفكارنا :

-         القال ليكم الكلام ده منو؟؟

-         أستاذ عبدالعاطي !!

  • ·        لا نعرف بعدها ماذا جرى بين الناظر وبين أستاذ عبدالعاطي ، ولكننا لاحظنا أن أستاذ عبدالعاطي ظل يدرسنا “التاريخ” لمدة شهر ، دون أن يذكر كلمةً واحدةً عن “الديمقراطية” ، ثم نقلوه ..

اترك رد